قصة مقال “مهجور”

بقلم محمد البسفي (رئيس تحرير جريدة مصرنا اليوم)

في 16 مايو الماضي أعلنت الحكومة المصرية “موافقتها” علي مشروع قانون الإعلام الموحد، المقدم إليها من “الهيئات” الصحافية والإعلامية – مثل المجلس الأعلي للصحافة ونقابة الصحفيين العامة – لتحيله الحكومة إلي البرلمان لدراسته والموافقة عليه والذي أحاله بدوره إلي مجلس الدولة لمراجعته.

ومنذ هذه اللحظة، عكفت علي قراءة ودرس مشروع هذا القانون، والذي لم يستغرق مني وقتاً كبيراً نظراً لتكرار نصوصه وروحه وأهدافه بنصوص اللائحة التنفيذية وقانون نقابة الصحفيين السابقين، إلا أنني قد خرجت بعدة نقاط حاولت فيها رصد أو كشف مسالب وشرك قانون “الإعلام الموحد”، وأنتظرت مشاهداً تتابع الأحداث التي يعج بها “المجتمع الصحفي المصري”.. وفجأة فقدت حماسي للنشر!

فعندما يصر رئيس الجمهورية – منذ شغله لمنصب وزير الدفاع – علي عدم ترك أي فرصة أو مناسبة سانحة إلا ويؤكد علي حتمية “وحداوية” إتجاه الخطاب الإعلامي – الموحد بالفعل في مضمونه منذ عقود مع تنويعاته المظهرية التي تصبغه بلطشات ديمقراطية أمام الغرب – ونجد كافة وسائل الإعلام بمختلف أشكالها تعزف مقطوعة ريقعة حول “القوة الناعمة”.. فيجب أن يفتر الحماس!

وعندما تري نقابة الصحفيين – بما تشيعه حولها في تكرار ممل بأنها “قلعة” الحريات – تهرول مقدمة أسمي آيات الشكر والتبجيل للحكومة علي موافقتها علي مسودة هذا القانون (الإعلام الموحد) والذي وضعته بنفسها، وتقدمه إلي الرأي العام بإعتباره من أفضل الوثائق القانونية التي تحفظ حرية الصحفي وكذا حقه في الحصول علي المعلومات، لا لشئ إلا لأن نصوصه لم تتضمن كلمة “سجن” كعقوبة لصحفي علي ما يكتب، متجاهله فرضه لمبالغ طائلة كغرامة علي المحرر الفرد والمؤسسة الصحفية دون النظر إلي ملائتهما المالية وإمكانية دفعهما لها، وكذلك كل هذه الترسانة التشريعية والقانونية الأخري التي تبيح سجن وقتل المحرر الصحفي، مثل قانوني التظاهر والإرهاب كمثال ليس للحصر، ولا يحصن هذا القانون العاملين بالمهنة من براثنها، ولكن يتم التصدير “المغلوط” وكأن الحرية “منة” يجب الشكر عليها “لأصحاب الفضل”.. فيجب أيضاً أن يفتر الحماس!

وحينما تصطدم بواقع “مجتمع” صحفي، بكافة هيئاته ومؤسساته وعمومياته، يفتخر ليل نهار بأنه يتبع “مؤسسات الدولة” في ذيلية فجة ويعمل ويشرع ويتحرك تحت “عباءة” الحكومة، مدمراً كافة وأبسط القواعد النقابية والإستقلالية – المتعارف عليها عالمياً – ويزدريها تماماً، ويمتلئ إنتفاخاً زائفاً أقرب إلي “الورم” بأنه يمارس “السلطة الرابعة”، وهو في نفس اللحظة التي يدمر فيها أقل الضوابط والمسلمات الحرفية والمهنية لوأد “الحقيقة” حسب إتجاه بوصلة “النظام الحاكم”.. حينها يجب أن يفتر الحماس.

وأخيراً.. عندما أجد أنني قد أستغرقتني كل هذه المشاكل و”الأورام” – منذ سنوات 2007 وما بعدها –، عمل وحركة، في محاولة لإستئصالها وحلها، بداية من ترسيخ مبدأ إستقلالية المهنة وحتي قضية حتمية التعددية النقابية، وعندما إعيتني الحيل – وأيضاً حقيقة عدم تثوير كيان داخل منظومة مستعبدة – لجأت للكتابة محذراً من مخاطر تمادي الصحافة كمهنة وممتهنين في الإنزلاق نحو التبعية الذيلية لـ”حجري الرحي”: الدولة بكافة سلطاتها، ورأس المال المتمثل في مستثمري الإعلام/الصحافة، تلك “الرحي” التي نجحت في إدخال المهنة كسلعة في مجتمعهم “السوبر ماركت”.. فحينما أقرأ مئات الصفحات وكل تلك الأطنان من الكلمات التي سودتها، وقد يسبقها بالطبع ألاف غيرها وخيرها من أساتذة وزملاء، ولا أجد نتيجة سوي حصد أرقام بالمئات لزملاء بين مسجون أو مقتول أو مختفي قسرياً، فضلاً عن آلاف أيضاً مفصولين أو متعطلين.. هنا يجب أن يستمر الفتور.

ولكن.. برغم كل ذلك، عزمت أخيراً علي نشر تلك الملاحظات حول مشروع “قانون الإعلام الموحد”، في سلسلة مقالات تعني بالشرح والتوضيح والتحليل، بهدف فتح “حوار” ونقاش حول نصوصه، نشرف كأسرة تحرير موقع (مصرنا اليوم)، بعرضه عبر إسهامات الزملاء والكتاب والمهتمين بالشأن الإعلامي/الصحفي المصري.

 

ملاحظات خاصة حول مسودة “قانون الإعلام الموحد”:

 

أولاً: حرصت مسودة القانون، في المادة الثانية علي تسمية القوانين الملغاة بنص هذا القانون، وهي: القانون رقم 96 لسنة 1996 الخاص بتنظيم الصحافة والقانون رقم 13 لسنة 1979 الخاص بإتحاد الإذاعة والتليفزيون والقانون رقم 20 لسنة 1936.. وأبقي المشروع علي القانون رقم 76 لسنة 1970 الخاص بإنشاء نقابة الصحفيين، (كما أشار بذلك أيضاً الأستاذ صلاح عيسي الأمين العام للمجلس الأعلي للصحافة)، بجميع تناقضاته مع الواقع الصحفي الحالي بشكل عام، ولكن حرص القانون الجديد علي تفريغ قانون 76 من جانبه الإيجابي الوحيد فيما يتعلق بتسيير شروط عضوية النقابة، وذلك حينما عين “الصحفي” بأنه عضو نقابة الصحفيين فقط!

ثانياً: مادة 1 باب أحكام عامة، عرفت المطبوعات بأنها “كل الكتابات أو الرسوم أو القطع الموسيقية أو الصور الشمسية أو غير ذلك… فأصبحت بذلك قابلة للتداول”. مما يمهد لإدخال جميع الأعمال الإبتكارية والمبادرات الفنية الفردية تحت طائلته حتي ولو كانت غير مؤسسية!

وتشمل تلك المادة أيضاً: “كل بث إذاعي أو تليفزيوني أو رقمي يصل إلي الجمهور، أو فئات معينة منه… بواسطة أي وسيلة من الوسائل السلكية أو اللاسلكية الحالية أو المستحدثة، وغيرها من التقنيات الحديثة….”.

ثالثاً: حددت نفس المادة “المؤسسات الصحفية القومية” بأنها كل مؤسسة تملكها الدولة “ملكية خاصة، وتمارس حقوق الملكية عليها الهيئة الوطنية للصحافة”، وكذلك عرفت “الوسائل الإعلامية العامة” بأنها القنوات أو الشركات “التي تملكها الدولة ملكية خاصة أو تلك الأغلبية بها”، والملاحظ في “صياغة المادة” بأنها لم تسمها “ملكية عامة” مثلاً، وهذا ما يرجح في رآينا نية المشرع فتح ثغرات تشريعية لخصخصة تلك المؤسسات الإعلامية والصحفية مسبقاً.

وتقع إشارة القانون إلي “التعاونيات” تحت هذه الملاحظة بأنها وضعت بغرض التمهيد للخصخصة فقط، خاصة وأن قانون تنظيم الصحافة 76 لسنة 1970 يحظر ضم الصحفيين من تنظيمات تعاونية لنقابة الصحفيين.

رابعاً: أجازت المادة 3 باب حرية الصحافة والإعلام، فرض الرقابة المحددة علي العملية الصحافية/الإعلامية في زمن الحرب، رغم وجود أحكام وقوانين خاصة بحالة الحرب العسكرية والتعبئة العامة تلغي وتعطل جميع القوانين العادية في حالة السلم!

كما نصت المادة 4 من نفس الباب، علي عبارات مطاطية وشديدة الشمولية مثل “الأمن القومي” و”تكدير السلم العام” و”… التي تحض علي التمييز والعنف والعنصرية والكراهية والتعصب”، مما أفقد مواد حرية الصحافة معناها وجعلها مجرد “لافتة إنشائية”.

خامساً: نصت المادة 5 علي “الصحفيون والإعلاميون مستقلون لا سلطان عليهم في آداء عملهم لغير القانون”، في حين أن القانون الصادر مثل جميع القوانين السابقة تصدرها السلطات الثلاث للدولة مما ينفي مبدأ الإستقلالية من أساسه!

كما حظرت المادة 8 أي قيود تعوق الحصول علي المعلومات، وأستثنت تلك المعلومات التي تخل بمقتضايات “الأمن القومي” و”الدفاع عن الوطن”، أيضاً عبارات واسعة غير محددة “المعني الواضح” وتحتمل الكثير من التأويلات.

ساساً: أجازت المادة 11، حق الصحفي العامل بمؤسسة إعلامية فسخ تعاقده معها بإرادة منفردة في حالة تغير السياسية التحريرية المتفق عليها، فهل تبيح هذه المادة عكس الوضع بفصل الصحفي في حالة مخالفته السياسة التحريرية؟!!

سابعاً: تمهد المادة 14، الناصة علي “إنشاء صندوق للتأمين ضد البطالة والعجز”، بإلغاء المنحة المالية الحكومية المعروفة “ببدل التكنولوجيا” – العبء المزمن علي الخزانة العامة – خاصة أن المادة حددت قواعد الإشتراك في هذا الصندوق بلائحة تنفيذية تضعها النقابة.

ثامناً: حظرت المادة 25، علي الصحفي قبول التبرعات والإعانات أو مزايا خاصة بسبب عمله من أشخاص أو جهات أجنبية أو محلية، وألزمت الصحفي رد قيمة التبرعات إلي المؤسسة الصحفية أو الإعلامية رغم تأديبه أمام النقابة.

كذلك المادة 27، الخاصة بالإعلانات!