النمل خير شاهدا!

بقلم: عـادل عطيـة

 

كبرت، وأنا أعرف أن النمل، يميل إلى الطعام الحلو أكثر منه إلى الطعام المالح؛ حتى أن ربة بيت ذكية أرادت أن تتخلص منه في مطبخها، فكتبت على علبة السكر، عبارة: “هذا ملح”؛ عساها أن تضحك عليه!

لكن، يبدو أن نمل “زمان” غير الذي يجايلنا.. عبّرت عن ذلك إحدى السيدات، بهذه الاستغاثة: “أرأيتم.. لقد أصيب النمل بالجنون؛ فقد نسى السكر، وأصبح مغرماً بالملح.. ماذا أفعل الآن؟!”..

حاولت أن أفسر لها أن هذه الظاهرة المستحدثة لا علاقة لها بفقدان صواب النمل؛ وإنما ـ وهذا ظني ـ، بسببنا نحن.. فالنمل بعد أن ذاق الملح، شاركنا رابطة “العيش والملح”، التي تحث على الاخلاص والوفاء. ولأنه لم يعد يجد فينا شيئاً حلواً ينجذب إليه، يحاول أن يستخدم حكمته بتوجيه أنظارنا إلى الملح؛ لنأخذ منه الموعظة والعبرة ، ونستعيد الاخلاقيات التي تنازلنا عنها للماضي!

أنظروا إلى الملح، ولاحظوا معي ما فيه من: روعة البياض، وجمال الصفاء، وبهاء النقاء!

وتأملوا في عمله الخفي، فهو مزدوج.. جانبه الأول: أنه يحفظ من الفساد، وجانبه الثاني: أنه يُصلح المذاق!

ولأن الفساد، عندما ينخر في كل شيء، يعبث بالقيم وبالتحضّر؛ ويُسقط الشعوب والدول في العار؛ فلابد من ملح لكي يقي من الفساد قبل وقوعه، وينقي من الفساد بعد حدوثه!

ان النمل، وهو يشير إلى الملح، يحاول أن يقول لنا: كونوا ملحاً صالحاً لحياتكم ولحياة كل الناس؛ فعالم من غير صالحين ومخلصين، عالم هش ولا طعم له ولا مذاق.. قد يكون عالماً جميلاً، لكن جماله قبيح، وقد يكون مغموراً بأسباب العمران، لكن عمرانه خراب، وبحر مدنيته سراب!

يقول ناقم في غضب: من هذا الكائن الذي يزحف على اسرّتنا، ويستقر تحت وسادتنا، ويمارس عمله السيء في لدغ أجسادنا، وايلامنا، حتى يُعلمنا ما لانعلم؟!..

النمل حشرات إجتماعية، تعيش معنا، ولها دورها الهام في بيئتنا!

فان كانت لدغات النمل تؤلمنا، فلتؤلم ضميرنا ـ على الأقل ـ، ونحن نتأمل في تصرفاته الاخلاقية؛ فبعض أنواعه يعيش وتحت أمرته عبيد، يجمعون له العلف اللازم للغذاء، وهو حريص على أن يأكل مع عبيده، وإذا غاب العبيد، أو أصابهم مكروهاً؛ يمتنع الكل عن الأكل، حتى ولو كان الغذاء موجوداً، ويستمرون هكذا حتى يرجع العبيد، أو يموتوا دونهم جوعاً.. بينما هناك من البشر من يعرف كيف يسرق حرية الأحرار، ويصنع منهم عبيداً دونهم عبيد النمل!…