هيا ننسى ما وراء

بقلم رئيس التحرير / سام نان

أكذوبة تُشاع بين العرب على مرّ السنين، أن هناك حباً متبادلاً بين العرب وقواسم مشتركة تجمع بينهم وتوحيد في اللغة والديانات والسمات والعادات والتقاليد.

إلى أن وصلت الأكذوبة في طموحاتها أن الدول العربية تتقاسم الهويّة نفسها، وتطمح إلى توحيد مصيرها؟ ولكن من يتأمل فيما يحدث من بين عرب دولة وعرب دولة أخرى أو بين فصيلتين مختلفتين من دولة واحدة وتحت سقف وطن واحد، من ينظر إلى الحروب الشرسة التي تنشب بين حين وآخر على مواقع التواصل الاجتماعي، بين أبناء شعب عربي وآخر، لأتفه الأسباب، (كرة قدم، تصريح سياسي،  هجوم انتقادي، شتيمة أو موقف عنصري).

لا بدّ من أن يردّ العداءَ هذا إلى أسبابٍ مكتسبة من المجتمعات والثقافات التي تربى عليه النشئ العربي.

فهي لم تكن أسباباً جديدةً أو وليدة اليوم، ورنما هي متوارثة عبر الأجيال…

إنه تاريخ من الأحقاد الداخلية الكامنة في الصدور والتي تحمل في ثناياها تاريخا من الغلّ والغضب.

تلك هي العلاقات بين البلدان العربية التي توارثت فكرة العداء بين المُستَعْمِر والمُسْتَعْمَر، وحتى لو كانوا أبناء وطن واحد، فتكون العلاقة بين الطبقة الحاكمة وعامة الشعب هي نفس العلاقة بين المستعمر والشعب المحتلّ.

ووصلت حدة العداء إلي داخل البيوت حتى صارت هناك أحزاب داخل البيت الواحد كأم وابنتها ضد الأب وابنه، رغم أن الابن والبنت تربطهما علاقة الأخوة والزوج والزوجة تربطهما علاقة الزواج المقدس. إلا أن الانقسام تعلمناه وتوارثناه من السابقين وكأنها السمة التي يتميز بها الإنسان.

وأخيراً وصل الأمر العدائي إلى تلك الأخت اللبنانية الشقيقة التي تعدتْ بالألفاظ والعبارات الجارحة عن أشقائها من المصريين، وأسألها: مَنْ تسبين؟ أشقاءكِ؟ إنهم منك ولك.

فعندما تسبينهم فأنتِ بالتالي تسبين نفسك، لأنهم أخوتك في العروبة، في الإنسانية، في اللغة وفي الدين.

أنا لست مع الحكم عليها بالسجن ولا ضده، فهذه مسألة من شأن القضاء وليس من شأني، ولكنني أقول -بكل حب- لا ينبغي أن نشتم أو نسب أو نجرح بعضنا البعض، ليس لأننا أخوة في اللغة والدين، ليس لأننا أخوة في العروبة، ولكن على الأقل لأننا أخوة في الإنسانية.

خٍلقنا بنفس الجسد ونفس الصورة الإنسانية الجميلة ونفس الضمير الإنساني الحيّ، فلماذا نتعارك بالألفاظ أو الكتابات الجارحة؟

دعونا نحب بعضنا بعضاً، نظلل على بعضنا البعض، يخاف كلٌ على الآخر ويحبه كنفسه.

أتخشون من اختلال التوازن الإنساني لو عمّ الحبُ بين الناس؟ هل سيختل ميزان العداء عندكم وتصبحون منكسيّ الرأس أمام عدو الخير؟

هيا نسامح ونغفر ونفحص أنفسنا وننقي دواخلنا من كل بغضة وحقد وشرّ، هيا نبطل المكائد وننزع السلاح، وبدلاً من أن ننفق الاقتصاد على مصانع الأسلحة، نستغلها في التعمير والبناء والعلاج والتعليم والتثقيف.

هيا ننسى ما وراء ونمتد إلى ما هو قدام.