«يا مال الشام» في بيت الدين.. أين ما تبقى من حلب؟

نصري الصايغ

أغانٍ تراثية من بلاد الشام، بتوقيع موسيقي غير تقليدي. تغلب الحداثة الأصالة، الأداء جديد، الغناء على حافة التراث، بابتكارات وتلوينات ولغة، لم تنسخ الماضي، لا صوتاً ولا لحناً، ولا نأت عنه، فبدت معاصرة بدلالة الماضي، وهذا سحر التأليف وقدرة التوليف. وهذا ما قدّمه الثلاثي نصير شما ولينا شماميان وشربل روحانا، مع فرقة الأوركسترا الشرقية بقيادة كاتيا مقدسي ـ وارن (السبت الماضي ضمن مهرجانات بيت الدين الدولية)
تعلو الأصوات وتتمازج وتتمادى، تصدح الموسيقى بإيقاعات متصلة بالروح التراثي من دون تقمّص مفرداتها وجملها. تصخب أحياناً وتنوء تارة وتتصل بفضاء مبهم مفتوح على السؤال. ما هذا؟ من أين؟ ما علاقة هذا الحديث في الموسيقى بـ «يا مال الشام»، مع ما تعنيه من قاموس غنائي ثري وعمارة موسيقية وألحان ظلت على مدى الأزمنة راسخة في التقليد الذي يضاهي الجديد. فجأة، يشعر المستمع إلى أنه ماضٍ إلى «مال الشام»، بطريقة لم يسبق أن سلكها سمعه من قبل. ثم، يفاجأ أكثر، بأن هذا الطقس الموسيقي، يُحيي الروح ولا يكرّس جسد الموسيقى بقياساته الماضية. لا يتأخر الأداء، بمزاوجة ما مضى بما يأتي، أو بما يولد: «لو كنت ذاكرتي» لابن حمديس، لم تكن موشحاً بأصوات ماضية في المديد من الألحان. موسيقى تنبر وغناء سريع، يضع الموشح القديم على منصة الحداثة، والإيقاع الراقص والمتدفق. مقابل سحر وبلاغة الموشح التقليدي يقدّم شربل روحانا تجربة الإيجاز ويجيد.
من أغنية إلى ثانية إلى «بالعربي»، تناوب شربل روحانا بين التذكر والراهن والتحريض. تتساءل، وما علاقة كل ذلك بـ «يا مال الشام». نتذكّر أن روحانا قد قدم في مستهل اطلالته الفضاء الذي نعيش فيه وتعيش فيه الأغنية. تعلو الأصوات، تكبر الوصلات، ترتعش زوايا الروح، تصير شجرة في صحراء، ونتذكر بعد كل تصفيق، أن هذه الأغاني المبتسمة والمتفائلة، ضاربة في الدم والبكاء، نتعرف في لحظتها على مفارقة خلقتها اللحظة الفنية، أنك تفرح بكثير من الحزن والدمع. فلا الأوطان أوطان ولا الناس بشر ولا أفق في هذه السماء الممثلة بالسواد. مهما بعدت الوصلة عن واقعنا، تظل متصلة بالواقع. «أنت في بيت الدين جسداً. أنت في كل المآسي مقيماً. يحدث كل ذلك فيما الغناء ذاهب في اتجاه الفرح والتأمل الوردي. مفارقة غصة الفرحة.
الحيوية و «الجماهيرية» التي ميزت اطلالة شربل روحانا، مع «رفيقه» العود، افسحتا الطريق لإطلالة لينا شماميان. الجمهور الشامي والأرمني واللبناني استقبل صوتها بخشوع. ملاك بصوت شهرزاد. مع عزف يتناسب والطابع الأسطوري. منها، تخرج لينا إلى «لما بدا يتثنى»، لا تكتشف الأغنية إلا من لمسة الصوت وليس من دلالات الكلمات. صوت يلامس الأوبرا. يصدح ويعلو ويحن ويتلوّى، بتقنية راسخة. تشك في إن كانت سيدة صوتها أو صوتها سيدها. طبيعية جداً، برغم حفاوة الفستان الأبيض اللماع، الذي أثار فيها انزعاجاً. قالت: «حلو ولكن مزعج»، ظلت طليقة من «أول مسافر» إلى «طلوع الضو»، بألحان تميزت بالجدة والثراء وقوة التأثير. بدت كأنها لا تشبه إلا ذاتها، برغم أدائها لـ «طلوع الضو وشآم».
ما قبل الختام، حضر نصير شما. لا كلام. إطلالة نغم. تلاعب باللحن والعزف. لأنامله موهبة توليد الوتر. مأخوذ بعوده، يمنحه السحر. العود معه، لعوب إن شاء، حزين إن مال إلى «الكرادة». حنين إلى الذاكرة في مقطوعة أصاب فيها الشجن وحرك في الجمهور دهشة. اما «لو كان لي جناح» فقد بلغ فيها مرتبة التحليق… هذا المحترف جداً، ما زال في مرتبة الهواية. العاشق والمعشوق مدى من أنماط العزف وبراعة اليد الواحدة، في تثنية اللحن والإيقاع.
الثلاثي، يختم اللقاء بمهرجان ارتجالي، يستعيد فيه بعض النسخ الاصلية لـ «مال الشام»، من «الروزانا» إلى سواها من «ربيرتوار» الأغاني الشعبية الخالدة.
ليست الحفلة عابرة. تعرّف الجمهور على شربل العازف بتقنية عالية، بالموسيقى التي تهندس الكلمة في مرمى اللحن. الارتجال الذي مارسه شما وشربل، اظهر إلى أي مدى يجيدان الاستجابة إلى الإبداع. موسيقى شربل متصلة بالكلمة، موسيقى شما متجهة إلى المخيلة والتصوير والتأثير. هذه المرة، بدا شربل متحرراً من مارسيل خليفة. من زمان كان ماضياً إلى حيث وصل.
أما لينا شماميان، الحلبية الأرمنية العربية التي أتقنت في دراستها للجاز وللمخزون التراثي العربي، فاحتلت مكاناً لا تشبه فيه أحداً. في صوتها مساحات فائضة وصريحة. عربها بنكهة خاصة بها.
احتفى الجمهور بالثلاثي. خرج متكئاً على انفصام. يسأل: أين مال الشام. أين ما تبقى من حلب… ما هذا الفرح الذي يتساوى والحزن في اللحظة ذاتها.