وتركز الاستراتيجية بحسب  كبير المستشارين السياسيين بالخارجية الأميركية براين هوك، إلى شل قدرة إيران على جلب عائدات من صادرات النفط الخام.

وستعتمد واشنطن في ذلك على حزمة من الأدوات، من بينها العقوبات التي ستدخل حيز التنفيذ في أغسطس المقبل  تنفيذا لقرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي المبرم مع إيران في مايو الماضي، على خلفية عدم التزام طهران بتعهداتها وأدوارها التخريبية في دول المنطقة.

وإضافة إلى ذلك، سيتم توفير طاقة إنتاجية احتياطية عالمية في سوق النفط تكفي لتغطية انخفاض إمدادات الخام الإيرانية للحفاظ على استقرار الأسعار.

وبينما كانت الاستثناءات التي منحتها أميركا لبعض المستوردين قبل الاتفاق النووي، هي منفذ طهران لتصدير النفط، فإن واشنطن هذه المرة لا تفكر في منح استثناءات من العقوبات النفطية الجديدة، بحسب هوك.

عصب النظام

وتعد الصادرات النفطية عصب الاقتصاد الإيراني الذي يواجه بالفعل اضطرابات شديدة نتيجة انهيار سعر صرف العملة، إضافة إلى تحويل الناتج القومي الإيراني للإنفاق على برامج التسلح الصاروخي ودعم الميليشيات الطائفية في دول الجوار.

ويقول الكاتب الاقتصادي المتخصص في الصناعة النفطية عبد العزيز المقبل لـ”سكاي نيوز عربية” إن أياما بالغة الصعوبة تنتظر النظام الإيراني.

فالصادرات النفطية هي المصدر الأساسي للعملة الأجنبية، وبحرمان إيران من النقد الأجنبي في وقت يسارع فيه المواطنون إلى سحب أموالهم من البنوك، فإن النظام المالي سيكون عرضة للانهيار.

تهريب النفط؟

وتعتقد إيران أن بإمكانها مواجهة التصفير النفطي، بتسليم النفط إلى شركات خاصة وتجار محليين من أجل بيعه خارجيا.

لكن هذه المقاربة لن تنجح، فبحسب المقبل، ستنشط عمليات تهريب النفط التي ستعتمد في الأساس على خفض أسعاره بشكل كبير عن السعر العالمي من أجل تشجيع الجهات الخارجية على شرائه، وهو ما ينسف قيمة الصادرات ولن يلبي الاحتياجات النقدية للبلاد خاصة في ظل نظام العقوبات الذي سيتعقب الشركات الدولية وأي طرف سيتعامل بأي شكل من الأشكال مع شحنات نفطية خارجة من إيران.

وتعول إيران أيضا على الهند وكوريا الجنوبية وتركيا والصين في تحدي نظام العقوبات وشراء النفط الإيراني باعتبار تلك الدول أكبر المستوردين من طهران، لكن ذلك أيضا لن يفلح في وقت لن تغامر الشركات العامة أو الخاصة بهذه الدول بالتعرض للعقوبات الأميركية.

وألمحت واشنطن أنه بالنسبة لهذه الدول بالتحديد، فإنها تسعى لتقليص وارداتها من النفط الإيراني بشكل تدريجي، لإعطائها على ما يبدو فرصة لتوفيق أوضاعها لكن لم تتحدث عن استثناءات من أجل استمرار أي منها في استيراد النفط الإيراني.

ويقول المقبل إن الولايات المتحدة لديها اليد العليا في تقرير التعامل مع إيران، حيث يهيمن النظام المالي الأميركي على كافة التعاملات المالية بالعالم، مما يردع البنوك من التعامل مع أي مصدر يخضع للعقوبات الأميركية.

وبالفعل، بدأت الهند منذ منتصف يونيو في إظهار استجابة للعقوبات، بعد أن أخطر بنك الدولة الهندي شركات التكرير أنه لن يتعامل مع المدفوعات المتعلقة بالنفط القادم من إيران اعتبارا من نوفمبر.

هل تنجح المقايضة؟

وربما تلجأ إيران للمقايضة السلعية مع بعض الدول، بحيث تتجنب التعامل بالدولار الذي سيكون شحيحا في يدها وأيضا حتى تكون العملية خارج رقابة النظام المالي الأميركي.

لكن ذلك لن يحل المشكلة، “فالاقتصاد الإيراني بحاجة للسيولة وهذه الحاجة تفرض الإقلال من استيراد السلع”، بينما ستواجه العملة مزيدا من التدهور في الداخل حيث يجري تجفيفها في البنك المركزي بسبب وقف الإيرادات الدولارية.

ويرى المقبل أن الوضع المالي للبنوك التجارية المحلية في إيران يصعب من التداول مع البنوك الأخرى نظرا لسمعتها السيئة وخضوعها للعقوبات.

وخلال الـ 6 أشهر الماضية، هرع الإيرانيون إلى تحويل أموالهم إلى الذهب للتخلص من العملة المحلية المتدهورة، وهو ما أدى  إلى ارتفاع جنوني في أسعار الذهب داخليا، بينما كان الملاذ الوحيد في ظل جفاف العملة الصعبة.

وقد تأثر القطاع النفطي بالفعل من الاحتجاجات المستمرة منذ بداية العام، وبينما طلبت إيران من منظمة أوبك رفع سقف إنتاجها النفطي إلى 4.5 مليون برميل، فإنها لم تستطع إنتاج أكثر من 3.8 مليون برميل يوميا في أعلى سقف لها.

وبالنظر إلى أن غالبية الإنتاج النفطي الإيراني هو من المكثفات الرخيصة، فإن السوق النفطية لن تتأثر كثير بغياب الخام الإيراني الذي ينتج بمقدار مليوني برميل في المتوسط.

فما الذي سيحدث بعد ذلك؟

مع عملة متدهورة لا يريدها أحد، وجفاف في الإيرادات، فإن التضخم سيصعد بشكل صاروخي بينما تعجز السلطة عن توفير احتياجات الشعب الذي يغلي بسبب الأسعار المرتفعة.

وقد حاول الرئيس حسن روحاني طمأنة الإيرانيين بعد انزلاق الريال، في منتصف يونيو، بالقول إن حكومته قادرة على توفير السلع الأساسية للمواطنين، وهو تصريح كان كفيل بإثارة ردة فعل عكسية.

فالطبقة المتوسطة التي لا تبحث فقط عن الطحين والأرز، هي التي تملك مدخرات في البنوك وهي التي سارعت بسحبها حتى لا تتبخر بالتضخم وتجد نفسها تحت خط الفقر.

ويقول مقبل: “بدلا من أن يطمئن الشعب، فقد بث فيه الرعب”.